احسان الامين
48
التفسير بالمأثور وتطوره عند الشيعة الإمامية
ففي معرض نقده العام لاعتماد المعتزلة على التفسير اللّغوي ، في صرف ظاهر الآيات عن المعاني المشتبهة - كالرؤية - ، يقول الذهبي : « فمثلا الآيات التي تدلّ على رؤية اللّه تعالى . . . نجد المعتزلة ينظرون إليها بعين غير العين التي ينظر بها أهل السنّة ، ويحاولون بكل ما يستطيعون أن يطبّقوا مبدأهم اللّغوي ، حتّى يتخلّصوا من الورطة التي أوقعهم فيها ظاهر اللّفظ الكريم ، فإذا بهم يقولون : إنّ النظر إلى اللّه معناه الرجاء والتوقّع للنّعمة والكرامة ، واستدلّوا على ذلك بأنّ النظر إلى الشيء في العربية ليس مختصّا بالرؤية الماديّة . . . » « 1 » . ثمّ يتابع هذا الموضوع كأوّل المعايير لتقييم التفاسير ، فهو عندما يدرس ( تنزيه القرآن عن المطاعن للقاضي عبد الجبّار ) ، يقول : « ولمّا كان المعتزلة لا يجوّزون وقوع رؤية اللّه في الآخرة ، فإنّ صاحبنا قد تخلّص من كلّ آية تجوّز وقوع الرؤية » « 2 » . وعندما يدرس ( أمالي الشيخ المرتضى ) يضرب من قول المرتضى بنفي الرؤية مثالا على التعصّب المذهبي عنده ، إذ إنّه « يقف من الآيات التي تعارضه موقفا يلتزم فيه مخالفة ظاهر القرآن ، ويفضّل فيه التفاسير الملتوية لبعض الألفاظ على ما يتبادر منها إرضاء لعقيدته وتمشّيا مع مذهبه » « 3 » . وكذلك فعل مع الزمخشري ، فهو يقول : « وكذلك نرى الزمخشري . . . إذا مرّ بلفظ يشتبه عليه ظاهره ولا يتّفق مع مذهبه ، يحاول بكل جهوده أن يبطل هذا المعنى الظاهر وأن يثبت للفظ معنى آخر موجودا في اللّغة ، فمثلا نراه عندما تعرّض لتفسير قوله في الآيتين ( 22 ، 23 ) من سورة القيامة : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ * إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ يتخلّص من المعنى الظاهر لكلمة ناظرة ؛ لأنّه لا يتّفق مع مذهبه الذي لا يقول برؤية اللّه تعالى . . . » « 4 » .
--> ( 1 ) - م . ن / ص 375 . ( 2 ) - م . ن / ص 397 . ( 3 ) - م . ن / ص 404 . ( 4 ) - م . ن / ج 2 / ص 445 .